الأربعاء، 13 مايو 2009

شمقرين

أخبرني محدثي و هو عندي الصادق اللسان، الطاهر القلب، و من لا أشك يوما بصدق حديثه و لا حسن نيته، أن رهطا من أساتذة الجامعة في إحدى كليات الطب غير بعيد من هنا،اجتمعوا يوما يتذاكرون هموم المهنة و مشاق العمل فقال أحدهم:
و أكثر ما يثقل على نفسي، و يضيق به صدري، هو استنكاف الطلاب و الطالبات عن حضور دروسي و الاستماع لمحاضراتي، و لقد أجهدت ذهني مرارا في محاولة معرفة سبب استنكافهم ذاك، حتى كدت أشكك في كفاءتي و قدرتي على التدريس، فصارت نفسي تحدثني أحيانا أن لربما هو شح معلوماتي أو قدم عهدها مثلا، أو لعله افتقاري إلى مبادئ الإلقاء و أساليب التدريس، أو ربما هو عدم استعانتي بوسائل الإيضاح من الصور و المقاطع و العروض التقديمية، أو لأن دراستي شرقية و شمس العلم اليوم غربية أو لأن...
فقاطعه أستاذ آخر: آااه كفاك كفاك سامحك الله، فوالله ما هو هذا ولا هو ذاك، إنما هو هذا الجيل الفاسد الذي لا يهتم بحكمة و لا يأبه بمعلومة، ليست العلة فينا فنحن خير من عليها، و إنما العلة في بلادة الطلاب و ضآلة تفكيرهم و لا ريب.
فلما انتهى بمحدثي القول إلى هنا التفت إليه و قلت له: لطالما عهدت هذا الرأي عن هؤلاء الأساتذة فلست أستغرب ما تخبرني به اليوم، فما الجديد؟
قال: الجديد أني أريد أن أظهر لهؤلاء الأساتذة الدليل القاطع على سبب فشلهم و فساد أسلوبهم.
قلت: و كيف ذلك؟
قال: سأعمد إلى تصوير دروسهم الفارغة بكاميرة الفيديو أولا، ثم أصور بعضا من دروس أستاذتنا القديرين التي يؤمها عدد غفير من الطلاب أيضا، حتى إذا اجتمع لدي من هذا و من ذاك ما يقيم الحجة و يدفع الشبه، عرضته على الفريق الأول ليروا أين تكمن العلة و من أين يأتيهم النقص، فقد قالت العلماء: لا يعرف الشيء إلا بضده.
قلت: أما نيتك هذه فهي مبادرة جميلة و همة عالية تحمد عليها، وأما إن سألتني عن جدواها فإني أقول لك إحفظ عليك جهدك و وفره إلى ما ينفعك، فإن أساتذتك أولئك لن يقتنعوا أبدا أن العلة تكمن، أو حتى يمكن أن تكمن في أسلوبهم أبدا، فقد أشربوا في قلوبهم - كغيرهم من البشر- فكرة لوم الغير على خطأ النفس، و إني لأجزم أنك حتى بفكرتك هذه لن تستطيع معهم شيئا.
قال: و ما يدفعك إلى هذا الجزم.
قلت: خبرتي بطبائع البشر و آفات القلوب، و لدي إن شئت على ذلك أدلة و أمثلة.
قال: قد شئت فهات ما لديك.
قلت: إذن فاسمع.
و رجعت كعادتي – و هي عادة ورثتها عن أستاذي الرافعي - إلى نسختي الخاصة من كتاب كليلة و دمنة، التي اختصني الله بها، فلست تجد مثليها عند أحد، فأصبت فيها من قول دمنة:
و من عجائب النفس يا كليلة، إيمانها التام بكمالها المطلق، و بعدها عن النقص و الخطيئة، و إنك إن بذلت كل البذل في محاولة ثني المرء عن إيمانه بنفسه فلن تجني بعد طول الكد و العناء إلا كما جنا صحب شمقرين الساحرة منها.
قال كليلة: و كيف كان ذلك؟
قال دمنة: يحكى أنه كان في أرض كذا من بلاد فارس قرية صغيرة منعزلة، و كان أهلها قوما بسطاء مساكين لا يملكون من علم الأرض شيئا، و كانوا لا يقدمون على عمل شيء من أمور حياتهم كبر أو صغر إلا بعد مشورة الكهنة و السحرة و أهل الشعوذة.
و كان في تلك القرية ساحرة عظيمة، يقال لها شمقرين، قد اجتمع لها من علم الكهانة و الشعوذة و السحر الأسود و تطويع الجن و العفاريت ما لم يجتمع لغيرها في تلك القرية، فكانت تعلو على معشر السحرة كلهم بذلك، غير أن شمقرين تلك كانت أيضا عجوزا قبيحة قميئة منفرة وكأن الله قد جمع فيها من قبح الوجه و من دمامة الخلق ما يجعلها آية للناس و نذيرا للبشر.
قيل فاجتمع يوما سحرة تلك القرية و مشعوذوها في غفلة عن شمقرين، فقال أحدهم:
قد كنا في هذه الأرض سادتها و كبراءها، و مرجع أمر أهلها في كل شاردة و واردة، و صغيرة و كبيرة، لا يزرع الناس و لا يحصدون إلا بأمرنا، و لا يقيمون و لا يرتحلون إلا بمشورتنا، و لا ينامون و لا يستيقظون إلا بعد الدعاء لنا و اللهاث باسمنا، حتى ابتلانا الله بتلك الشمطاء القبيحة شمقرين فأخافت بوجهها الدميم القميء الناس من السحر و نفرتهم من الكهانة و الشعوذة.
و قد كانت الكهانة قبل شمقرين عزا فصارت بعدها ذلا و انكسارا، و كانت الشعوذة دينا فصارت من بعدها كفرا و عارا، و كان السحر مصدر رزق لنا فأحالته علينا ضيقا و افتقارا.
كيف لا و طلعة وجهها البهي كطلعة الغراب في أول الصباح، أو كطلعة الذئب على قطيع الغنم عند الظهيرة إذ أراد أن يرتاح، أو كطلعة البوم في وسط الليل إذا نعب و ناح.
و إنا لن نصبر على وجودها معنا بعد اليوم أبدا، فإما أن نخرجها من بيننا أو أن نصنع في أمرها شيئا.
فقامت من بينهم عرافة خبيثة و قالت: أما خروجها من بيننا فهو أمر لا نقدر عليه، فهي و إن ذكرت ما ذكرت إمام علمنا و كبيرة عملنا، و لنا فيها رغم كل شيء حاجة.
و لكني أرى أن نجعل شمقرين تهتم بشكلها أكثر و تغير من منظرها لتصبح أكثر قبولا بين الناس، فنصبح و قد ربحنا الاثنين و لم نخسر شيئا.
قال السحرة: نعما الرأي هو، فكيف التنفيذ؟
قالت العرافة: دعوا الأمر لي.
ثم إن العرافة قامت إلى شمقرين، و بيدها مرآة و مشط و عدة زينة، فدخلت عليها و وضعت ذلك كله بين يديها، و قالت: هذه هدية السحرة إليك لتصلحي من شأنك و تأخذي زينتك.
قالت شمقرين: و ما حاجتي إلى الزينة و قد حباني الله من الجمال و الحسن ما يغنيني عن ذلك، و إنما خذيها أنت إن شئت فلربما تلزمك، فإني أرى رأسك قد غزاه الشيب، و وجهك قد أغار عليه الزمن.
فقالت العرافة و قد آخذها الغضب: يا دميمة وجهها صفيقة لسانها؛ أأنت حبيت الحسن و الجمال؟! أفلا تنظرين في المرآة لتري وجهك.
فأخذت شمقرين المرآة، فنظرت فيها، فأخذها الذهول برهة، ثم إنها قالت: إخس! .. أيا سحقا لهذا الزمان.. فقد وصل الغش فيه حتى إلى المرايا!
قلت لصاحبي: فاحذر أخي لعل الغش قد وصل في زماننا أيضا إلى كاميرات الفيديو.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق