السلام عليك يا أخي ابن خنشور، و أطال الله عمرك و أدام عزك أيها الرجل الجليل، الموفور حظه، الطالع نجم سعده.
و بعد فإنني كلما استيقنت أن قد لقيت منك أجمل ما يلقاه المرء من كريم الطباع أصيل المنبت، جئت تهدم علي بنيان يقيني بما هو أحسن من الحسن و أجمل من الجمال، فما أقرأه اليوم من أمر الوليمة التي تعتزم إنفاذها و دعوة صحبك إليها هو لعمري بادرة عظيمة تنم عن كرم و جود و إيثار لا تكون إلا فيمن سمت نفسه عن قذر الدنيا و مذرها؛ من ذهب أو ورِق، و إني لأرجو الله أن ينتفع بك العامة و الخاصة من القراء، فإن لهم فيك و في أمثالك لأسوة حسنة إي و ربي .
و أقول لكل من قد يستغرب مناسبة الوليمة أو يتعجب من سببها: لا تعجبوا إخواني .. فإنا في ضيافة رجل أصيل لا يعدم الحيلة لإطعام الطعام أبدا حتى و إن اضطر إلى اختلاق المناسبات اختلاقا، و الإتيان بموجباتها جزافا.
أما ما ذكرت أخي من حيرتك في صنف المشوي من اللحم، فاسمع مني -لا توّه الله لك رأيا- فإنك واجد في قولي بيان ما تسأل إن شاء الله، و إني أستميحك عذرا إذ تأخرت في إجابتك، و ما منعي عنك اشتغال بهزل أو لهو معاذ الله، إلا أني عمدت إلى بعض خيرة أشياخي و مراجعي و كتبي سؤالا و بحثا و تمحيصا كي آتيك منها بخبر يقين فلا أتجرأ كغيري على الفتوى دون تثبت، إذ أن أجرأ الناس على الفتوى أجرأهم على النار كما ورد عن أشرف الخلق صلاة ربي و سلامه عليه، و قد قالت العلماء ثلاثة يتمنى العاقل فيها أنه ما نطق قط: فتوى بلا يقين، و دعاء على سلطان ظالم قال فيه آمين، و اعترافه بذلك أمام المحققين.
و قد تبين لي بعد طول البحث و إمعان النظر، و تجريب الكل و استقصاء الخبر، و بعد استفراغ كتب الأولين و استقراء كتب الآخرين؛ أنه قد ثبت أخيرا عند الأئمة الثقات من المتأخرين العارفين أن لا فضل لكباب على كوردون بلو و لا لشقف على شيش طاووق إلا بجودة اللحم و إتقان الطبخ، و أنما تفضل سيدي أبو مالك بذكره على عجالة إن هو إلا رأي عتيق قد بليت جدته و خلقت أرديته و ثبت بطلان أدلته.
و إني – إن رمت معرفة ما أهوى - كنت لأنصحك بالكوردون بلو على طريقة الإفرنج في بلاد الغال فإن له لحلاوة، و إن عليه لطلاوة، غير أنك و لا ريب تعلم ما أعلم و تسمع ما أسمع من شأن ذلك المخلوق الحقير الذي أمسى و أصبح يفتك بالمئات و الألوف من الطير و البشر ، و المسمى عند أئمة علوم الطب "بفيروس إنفلونزا الطيور"، فاحذر إذ علمت شره الوقوع فيه فإنك لا تأمن مغبة أكله، و إن أقل الناس عذرا في ارتكاب الشرور و إتيان المذموم أبصرهم بعواقب أفعالهم و أعلمهم بضررها، و مثال ذلك أن رجلين أحدهما بصير و الآخر أعمى تصاحبا حينا، فساقهما الأجل إلى حفرة فوقعا فيها، فاندقت رقبتهما و انكسر سن أطلسهما فماتا على الفور بأذية المراكز العصبية الحيوية، فلما علم الناس بأمرهما أجمعوا على وقوع وزرهما جميعا على عاتق البصير .. إذ أن له عينان تبصران موضع قدميه و أما الأعمى فصار إلى الحفرة جاهلا غير عارف، و كان حكم القاضي على أهل البصير بدفع دية الأعمى إلى أهله.
فلذلك فإني أنصحك مكرها غير مختار باجتناب الكوردون بلو الآن و إن على مضض، فإنه لا يأكل لحم الطير اليوم إلا من كان سفيها أو به أذى من رأسه، و إن آكل الفروج صار في هذا الزمان العاطل كشارب السم لا ينتظر إلا الهلاك، و قد قيل: ثلاثة لا يجترئ عليهن إلا أهوج، و لا يسلم منهن إلا قليل: صحبة الوحوش، و ائتمان النساء على الأسرار، و شرب السم للتجربة.
و لاتغترن أخي بقول بعض المتشددين و المتفيهقين- من أمثال أبي مالك- بكراهة أكل الكوردون أو غيره من طعام العجم، فإن العرب عندما طارت بهم فتوحات الإسلام إلى مشارق الأرض و مغاربها و أرتهم طعاما غير طعامهم و شرابا غير شرابهم، لم يمنعهم أكلهم الجزور و شربهم لبن الشياه عن طعام غيرهم من الأمم ، و لقد أكلت العرب حلوى الروم فاستحلت اللوزينج، و طعمت إدام الهند فاستمرأت الكبسة، و جربت موالح الفرس فاستظرفت الكاجو، و شربت الشراب في أقداح الصين و المغول فاستساغت الشاي.
و بعد فإنني كلما استيقنت أن قد لقيت منك أجمل ما يلقاه المرء من كريم الطباع أصيل المنبت، جئت تهدم علي بنيان يقيني بما هو أحسن من الحسن و أجمل من الجمال، فما أقرأه اليوم من أمر الوليمة التي تعتزم إنفاذها و دعوة صحبك إليها هو لعمري بادرة عظيمة تنم عن كرم و جود و إيثار لا تكون إلا فيمن سمت نفسه عن قذر الدنيا و مذرها؛ من ذهب أو ورِق، و إني لأرجو الله أن ينتفع بك العامة و الخاصة من القراء، فإن لهم فيك و في أمثالك لأسوة حسنة إي و ربي .
و أقول لكل من قد يستغرب مناسبة الوليمة أو يتعجب من سببها: لا تعجبوا إخواني .. فإنا في ضيافة رجل أصيل لا يعدم الحيلة لإطعام الطعام أبدا حتى و إن اضطر إلى اختلاق المناسبات اختلاقا، و الإتيان بموجباتها جزافا.
أما ما ذكرت أخي من حيرتك في صنف المشوي من اللحم، فاسمع مني -لا توّه الله لك رأيا- فإنك واجد في قولي بيان ما تسأل إن شاء الله، و إني أستميحك عذرا إذ تأخرت في إجابتك، و ما منعي عنك اشتغال بهزل أو لهو معاذ الله، إلا أني عمدت إلى بعض خيرة أشياخي و مراجعي و كتبي سؤالا و بحثا و تمحيصا كي آتيك منها بخبر يقين فلا أتجرأ كغيري على الفتوى دون تثبت، إذ أن أجرأ الناس على الفتوى أجرأهم على النار كما ورد عن أشرف الخلق صلاة ربي و سلامه عليه، و قد قالت العلماء ثلاثة يتمنى العاقل فيها أنه ما نطق قط: فتوى بلا يقين، و دعاء على سلطان ظالم قال فيه آمين، و اعترافه بذلك أمام المحققين.
و قد تبين لي بعد طول البحث و إمعان النظر، و تجريب الكل و استقصاء الخبر، و بعد استفراغ كتب الأولين و استقراء كتب الآخرين؛ أنه قد ثبت أخيرا عند الأئمة الثقات من المتأخرين العارفين أن لا فضل لكباب على كوردون بلو و لا لشقف على شيش طاووق إلا بجودة اللحم و إتقان الطبخ، و أنما تفضل سيدي أبو مالك بذكره على عجالة إن هو إلا رأي عتيق قد بليت جدته و خلقت أرديته و ثبت بطلان أدلته.
و إني – إن رمت معرفة ما أهوى - كنت لأنصحك بالكوردون بلو على طريقة الإفرنج في بلاد الغال فإن له لحلاوة، و إن عليه لطلاوة، غير أنك و لا ريب تعلم ما أعلم و تسمع ما أسمع من شأن ذلك المخلوق الحقير الذي أمسى و أصبح يفتك بالمئات و الألوف من الطير و البشر ، و المسمى عند أئمة علوم الطب "بفيروس إنفلونزا الطيور"، فاحذر إذ علمت شره الوقوع فيه فإنك لا تأمن مغبة أكله، و إن أقل الناس عذرا في ارتكاب الشرور و إتيان المذموم أبصرهم بعواقب أفعالهم و أعلمهم بضررها، و مثال ذلك أن رجلين أحدهما بصير و الآخر أعمى تصاحبا حينا، فساقهما الأجل إلى حفرة فوقعا فيها، فاندقت رقبتهما و انكسر سن أطلسهما فماتا على الفور بأذية المراكز العصبية الحيوية، فلما علم الناس بأمرهما أجمعوا على وقوع وزرهما جميعا على عاتق البصير .. إذ أن له عينان تبصران موضع قدميه و أما الأعمى فصار إلى الحفرة جاهلا غير عارف، و كان حكم القاضي على أهل البصير بدفع دية الأعمى إلى أهله.
فلذلك فإني أنصحك مكرها غير مختار باجتناب الكوردون بلو الآن و إن على مضض، فإنه لا يأكل لحم الطير اليوم إلا من كان سفيها أو به أذى من رأسه، و إن آكل الفروج صار في هذا الزمان العاطل كشارب السم لا ينتظر إلا الهلاك، و قد قيل: ثلاثة لا يجترئ عليهن إلا أهوج، و لا يسلم منهن إلا قليل: صحبة الوحوش، و ائتمان النساء على الأسرار، و شرب السم للتجربة.
و لاتغترن أخي بقول بعض المتشددين و المتفيهقين- من أمثال أبي مالك- بكراهة أكل الكوردون أو غيره من طعام العجم، فإن العرب عندما طارت بهم فتوحات الإسلام إلى مشارق الأرض و مغاربها و أرتهم طعاما غير طعامهم و شرابا غير شرابهم، لم يمنعهم أكلهم الجزور و شربهم لبن الشياه عن طعام غيرهم من الأمم ، و لقد أكلت العرب حلوى الروم فاستحلت اللوزينج، و طعمت إدام الهند فاستمرأت الكبسة، و جربت موالح الفرس فاستظرفت الكاجو، و شربت الشراب في أقداح الصين و المغول فاستساغت الشاي.
و تحلت بالبندق ، و تسلت بالفستق ، و التهمت الطبيخ ، و تقاذفت بالبطيخ ، و جربت الخبيص ، و مصمصت العصاعيص ، و علكت اللبان ، و شربت دبس الرمان ، و تفننت بالطعام أشكالا و ألوان.
و لو أن أسلافنا عافوا طعام الإفرنج و العجم، و اقتصروا على طعام جزيرة العرب دون طعام سائر الأمم، لماتوا في غيظهم كمدا، و لتفرقت أشياعهم بددا.
فمن أين أتيت سيدي أبا مالك بكراهة الكوردون بلو، و ليت شعري لو عرفت ما الكوردون أو ذقت طعم صلصته لما قلت ما قلت، غير أن الجاهل بالشيء قد يكرهه ، و الغافل عن الحق قد يكفره، و لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم.
فهذا بيان رأيي في أصناف الشواء، أسأل الله مولاي أن يجزيني به خيرا إن أصبت، و عفوا و صفحا إن زللت أو أخطأت، و أن يجنبنا اتباع الهوى و الميل إلى الشهوات إنه سميع قريب مجيب.
و لو أن أسلافنا عافوا طعام الإفرنج و العجم، و اقتصروا على طعام جزيرة العرب دون طعام سائر الأمم، لماتوا في غيظهم كمدا، و لتفرقت أشياعهم بددا.
فمن أين أتيت سيدي أبا مالك بكراهة الكوردون بلو، و ليت شعري لو عرفت ما الكوردون أو ذقت طعم صلصته لما قلت ما قلت، غير أن الجاهل بالشيء قد يكرهه ، و الغافل عن الحق قد يكفره، و لا حول و لا قوة إلا بالله العلي العظيم.
فهذا بيان رأيي في أصناف الشواء، أسأل الله مولاي أن يجزيني به خيرا إن أصبت، و عفوا و صفحا إن زللت أو أخطأت، و أن يجنبنا اتباع الهوى و الميل إلى الشهوات إنه سميع قريب مجيب.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق