السلام عليكم في البداية لا بد لي من أن أجيب على الأسئلة الكثيرة التي وردتني و لا تزال تردني من بعض الأصحاب و المخلصين-و ما أكثرهم- يستفسرون فيها عن نسختي النادرة من كتاب كليلة و دمنة و يطلبون مني ذكر حقيقتها و بيان أصلها، فأقول لكل من بحث أو سأل لا تطيلوا البحث عن هذه النسخة فهي وحيدة عصرها و فريدة زمانها و كما قلت لكم فليس مثلها عند أحد، و قد اختصني الله ربي بها و آتانيها من غير تقدير مني ولا تدبير، فإليك أتوجه بالحمد ربي إني لما أنزلت إلي من خير فقير، و من عجيب خصائص هذه النسخة أني ما شئت من مثل إلا وجدته فيها فلما كان الأمس و رأيت من رد أخي أبي مالك الأخير علي و استوفيت قراءته، رجعت إلى نسختي القديمة لعلي أجد فيها بيانا لمثل أبي مالك، فأصبت منها هذا المثل:
قال دمنة: و من أعجب العجب يا كليلة، أن تجد فلانا من الناس يداخله العجب و الغرور، فيجترئ على من هم أعلى منه مقاما و أرفع منزلة، فما مثله حينئذ إلا كمثل ابن عرس العظيم.
قال كليلة: و كيف كان ذلك؟
قال دمنة: يحكى أنه كان فيما مضى أجمة عظيمة كثيرة الشجر و الثمر، فيها من الوحوش و الدواب من كل صنف و نوع، فمنها ما هو سارب بالليل و منها ما هو سارب بالنهار. و كان فيها أيضا حيوان صغير من بنات عرس، و عادة بنات عرس كما تعلم أن تهجع في النهار، فلا تخرج من أوكارها إلا ليلا، لتبحث عن شيء تصيبه طعاما من خشاش الأرض و مستقذر الحشرات. قيل فمر على الأجمة يوما نهار مطير، جادت به السماء على الأرض أيما جود، فتسرب بعض من الماء إلى وكر صاحبنا ابن عرس، فأزعج وصولها إليه منامه و أيقظه في غير وقته، فلم يجد بعد ما طاف وجاره بالماء إلا أن يخرج منه و يصعد إلى سطح الأرض. فلما أن خرج وجد الغمام قد انقشع، و الشمس قد أشرقت بنورها على الأرض، و أوشكت على الغروب، فرأى لكل شيء حوله من عظيم الظلال ما لم يعرفه من قبل، فنظر فوجد لجسده أيضا ظلا عظيما قد ارتسم على صخرة كبيرة من خلفه، فراعه عظم ظله، و داخل الغرور نفسه، فقال : أواااه ...!! أغفلت عن قدر نفسي و عظم شأني كل هذا الوقت ؟! إن كان ظلي وحده كهذا فكيف أنا إذن؟! و يا عجبا لعظم ذيلي و كبر حجمه، لعمري إنه لا يكون ذيل كهذا إلا للعظماء و الكبراء، و إلا فما بال الدببة ما لها من ذيل! تالله إن ذيلا جبارا كذيلي لينوء حتى بالدببة و لكني ألوح به في خفة و رشاقة دون أن يأخذني في ذلك أدنى نصب أو تعب. ثم إن الغرور و العجب كبرا في نفسه و عظما حتى وقع فيها أنّ ما هو إلا أسد من الأسود أو سبع من السباع، فقرر أن يرتحل عن أرضه ليلتحق بأرض (قومه) من السباع، فغذّ المسير من فوره حتى وصل إلى جماعة من السباع مستوطنة حول البحيرة، فلبث معهم حينا، يأكل من طعامها و يشرب من شرابها. غير أن معدته بعد أيام لم تعد تحتمل أكل اللحم و طحن العظام، و حنت إلى طعم الحشرات و مستحقر الدواب، فأجمع أمره على أن يحمل قومه من السباع على نبذ اللحم و أكل ما تيسر لهم من خشاش الأرض و حشراتها، فوقف فيهم خطيبا فقال: "إليّ إليّ يا معشر السباع ... إليّ إليّ ... مالكم يا قومي قد تركتكم خلقة ربكم و فطرته فيكم، أيجوز منكم أن تقتلوا إخوانكم من بني وحش لتقتاتوا من لحومهم، لعمري ما هذا من شيم الكرام في شيء، هلمّوا بنا نعد إلى فطرتنا فنذر أكل اللحم و قرش العظم، و نلتفت إلى أكل الحشرات و الثمار و الحشائش".
فما كان من جماعة السباع حينها إلا أن زأرت بضحك عالٍ منكر، و راحت تتناقل خبر خطبته العصماء تلك فيما بينها أياما و أيام، كنوع من التظرف و التملح، فاشتد الغيظ بابن عرس أشد ما يكون الغيظ و امتلأ جوفه حنقا و غضبا، فاندفع مرة أخرى إلى منبر الخطباء و صاح في السباع: "يا قوم، يا معشر السباع و الأسود، اسمعوا مني ما أنا قائل، أجمتكم هذه حرام علي بعد اليوم إن لم تجيبوني إلى إحدى ثلاث: فإما أن تصدعوا إلي بالتوبة و تقروا بالخطيئة أمام وحوش الأجمة كلهم و دوابها، أو أن تأخذوا على أنفسكم أغلظ الأيمان أن لا تقربوا بعد اليوم لحما قط، أو أن تسعوا في أطراف الأجمة و أصقاع الأرض مبشرين بشرعة أكل الحشرات، و مكفرين بمنهاج أكل اللحم، و إلا ... فلأضربنّكم بذيلي هذا ضربة، لا تقوم لكم من بعدها قائمة، و لا تبقى عندكم بعدها مملكة و لا عاصمة".
ثم سكت دمنة، فقال له كليلة: فما الذي حصل بعد هذا يا دمنة ؟! قال دمنة: لعن الله العجب كيف يودي بصاحبه، لا يزال أهل ابن عرس و عشيرته يبحثون عن مكان قبره حتى الآن! و صارت قصته تلك مضرب الأمثال في كل أجمة و عند كل غابة.
قال كليلة: فعلا صدق من قال: رحم الله امرأ عرف قدر نفسه فوقف عنده.
قلت:
أما أنت سيدي أبا مالك فاحذر أن تجهل علينا أو أن تبغي، فما أنت بالذي يقدر على الوصول إلى سامي منزلتنا و رفيع مستوانا، فإنا لقوم لان لنا الصلب حتى من الحديد، و صغر أمامنا كل عظيم من قديم أو جديد.
و ختاما أقول: و حتى لا تظل الأمور بيننا سجالا بين أخذ و رد، و عطاء و صد، فإني أدعوك إلى الاحتكام إلى من شئت من ذوي الحكمة و العدالة، فإن شئت رأي في من أراه كفئاً لهذا فما أرى إلا أن يكون مجنون الجراحة و مفتون الطب، أخي و سيدي أبا مروان، فإنه أعلم من رأيت بأمور الأشربة و الأطعمة... و السلام على كل منكم.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق