قلت:
شكرا لك سيدي أبا مالك، لعمري قد كفيت و أوفيت، و تالله قد نورتنا بكلامك أيما تنوير، و أفدتنا أيما إفادة، فحديثك الحلو عن الشاي، لا يصدر إلا عمن قد أنهى لتوه شرب أربعة أقداح متتالية من الشاي الأسود الأكرك العجمي.و لكن دعني - حفظك الله - أزدك من الشعر بيتا.
جاء في الأثر ((حبة هيل في الشاي خير من السفرة و ما عليها)) و هذا القول على ما ذكر فيه من انقطاع السند و ضعف الرجال، إلا أن فيه من منطق القول ما يجعله أهلا للأخذ به و العمل بمقتضاه.
فإضافة النكهة إلى الشاي تجعل من لحظات احتسائه أحلى لحظات العمر و أهنئها، فالشاي مع حب الهيل يشحذ الهمم و يشد الحيل،و يحرك في الأبدان قوة و نشاطا كنشاط الخيل، و يذهب عن النفس تعب النهار و نعاس الليل.
و لا تقتصر النكهة في الشاي على هذا، فالشاي مع وريقات خضراء من النعنع، خير الشراب عند الفلاح في الحقل و عند العامل في المصنع، لا يتركه لا في المنزل ولا في المستودع، يحبه الجميع ... من الطفل الصغير إلى الشيخ الأصلع، و يحكى أنه يمنح النفوس اندفاعا كاندفاع المقذوف من فوهة المدفع.
أما الشاي مع عصرة ليمون، فهو سر العقل المنظم و التفكير الموزون، ولا يخشى المرء بعده لا هما ولا غما ولا هم يحزنون، فلا عجب إذن أنه الشراب الذي يفضله الإفرنج و خاصة البريطانيون. و احذر - أصلحك الله - أن تنجذب إلى هذه النكهات الجديدة التي تنتشر في السوق هذه الأيام، و شرها مكانا و أمجها طعما هذا البلاء المعبأ في علب التنك المسمى بالآيس تي أو الشاي المثلج، و المنكه بالليمون و ثمر الدراق، فإنه بدعة سيئة منكرة ما سمعنا بها في أبائنا الأولين، ولا يعلم كنهها و محتوياتها إلا الله و صاحب الشركة المنتجة لها، و إني لأكاد أجزم أن ليس فيها من الشاي إلا الاسم. فحمانا الله و حماكم من مشروبات هذه الأيام التي ما فيها من طبيعة الأصل و طيب المنبت شيء، و إنما يجذب الناس إليها أنها طلعت علينا من بلاد الفرنجة. فعليكم بالشاي أسوده و أخضره فهو ما كان عليه واقع السلف الصالح رحمهم الله و رزقنا حسن اتباعهم.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق