بادئ ذي بدء، لا أجد بدا من شكر أخوتي الذين انبروا للدفاع عني و الذود عن سمعتي بعد ما قرؤوا كتاب أبي مالك إلي، و لكني أقول: أربعوا عليكم يا أخوتي، فما أنا بالذي يحتاج إلى من يدافع عنه، فإن لي في الحق لسانا كالسيف ما خرج من غمده إلا ليقتل أو يجرح، و لا يعرف حين الجد لا أن يهزل و لا أن يمرح، فاسمعوا ما سيأتي مني.
أما أنت سيدي أبا مالك فاسمع مني أحدثك الأمر و أنبئك خبره، و لعلك أنت أكثر من يعرف برائي من لوثة البدع و التجديد و انحيازي عن مستحدثات الأمور و منكراتها إلى شرعة الماضي و منهاج السلف، و إنما ظني أن ما دفعك إلى قولك هذا شيء دون الشيء، و نية خبيثة لا تخرج منك لا بابتغاء حجامة و لا تعمد قيء، و لعلي قد وجدت مثلا من حقيقة نيتك و خفي مقصدك في حكاية كنت قد قرأتها في سالف عهدي في كتاب كليلة و دمنة، في نسخة نادرة منه عتيقة لا أعرف اليوم أحدا على وجه البسيطة يملك مثلها غيري، ورثتها عن شيخي الرافعي رحمه الله.
قال كليلة: هلا أخبرتني يا دمنة عن مثل هؤلاء القوم الذين ينعتون كل ما لم يوافق هواهم بالبدعة المستنكرة و المستحدثة المستنفرة؟
قال دمنة: فذاك مثل ثعلب الكرم الدوماني.
قال كليلة: و كيف كان ذلك؟
قال دمنة: زعموا أنه كان بأرض كذا من أطراف دمشق ثعلب قليل الحيلة ضعيف الجسم، و كان له صاحب من بني جنسه، لا يكاد يفوقه في العقل و لا في الجسم شيئا، قيل فجازا يوما على كرم عنب كثير الثمر عالي العريش، قد أثقلت أغصانه بأطيب عناقيد العنب الدوماني مذاقا و أجملها لونا، فلما أن رأى هذا الثعلب ما رأى منها و ذكر ما لم يكد ينساه من شدة جوعه و طول صومه، قرر أن يحتال لنفسه و لصاحبه بشيء من هذه العناقيد فقال لصاحبه: هل لك يا أخي في شيء من هذا العنب؟ فأجابه الآخر: و مالي و العنب؟! و هل مثلنا من يأكل عنبا؟ قال: ولم لا؟ أما علمت أن في العنب فوائدا جما، و أنه خير طعام أهل الجنة؟ ثم إنّ من فعل به الجوع ما فعل بنا ليأكل حتى من أوراق الشجر! قال الآخر: أي لعمري و عمر أبي قد أصبت، فابتغ لنا إذن بعضا من هذا العنب، فأنت ترى أن لا حول لي و لا قوة في ابتغاءه، و هو ما هو عليه من العلو و بعد المنال. قال: و الله إنك لأشقى بني وحش و أعجزهم! انظر يا قليل الحيلة كيف يكون التدبير.
قيل و شرع ذلك الثعلب يقفز و يثب، و يثب و يقفز، عله يطول من العنب شيئا، لكن دون أن يقدر على ذلك من شيء، حتى هدّه التعب و أضناه اشتداد الجوع فالتفت إلى صاحبه و قال: قم بنا يا أخي فوالله ما نبغي من هذا الثمر شيئا. قال الآخر: عجبا! .. أوما ذكرت لي توا طرفا من طيبه و حلاوته! فما بالك الآن؟ قال: إنما ذكرت لك حلاوة العنب الدوماني و طيب طعمه، أما هذا الذي تراه فما هو بالعنب، إنما هو الحصرم الحامض لمّا يجعله ربي عنبا بعد.
قال دمنة: فهذا مثل من لا يقدر على شراء مطيبات الشاي فيزعم أنها مفسدة لطعمه ممحقة للونه.
قلت: فاحذر يا سيدي يا أبا مالك أن تكون حقيقة قولك كحقيقة قول الثعلب، فإنك عندها لن تجد مناصا ولا مهربا من الإقرار بضرورة المنكه في الشاي، بل و ربما لن يسقط عنك حينها مغبة قولك إلا أن تبتغي لي و للقراء طقما من الشاي المحلى المنكه تجعله تكفيرا لما سبق منك من أمر خطيئتك، و حلوانا لما قد سبقتنا إليه من شأن خطبتك.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق