الأربعاء، 13 مايو 2009

حب في آخر الخط

كم هي جميلة تلك السهرات الصيفية، تلك الجلسات اللطيفة تحت ضوء القمر، و النسيم العليل يدغدغ شغاف القلب و يحرك فيه مواجعه، و الله لا أمل هذه السهرات مهما تكررت.
هل تعرفون تلك الحديقة الجميلة في آخر الخط؟ آخر خط المهاجرين، على سفح جبل قاسيون ... و لو! ... حديقة ( النيربين ).
لطالما كنت أقصدها صيفا أنا و صديقي، و نجلس فيها ساعات و ساعات، نجلس و نسلم أعيننا لسحر المشهد، سحر مدينة دمشق التي تمتد على مد البصر، تنفرد كلها أمامنا كقطعة من قماش الدامسكو المبهرج -الذي اشتهرت به- تتطاير على جناح الريح، و أضوائها المتلألئة كأنها حبات الياقوت و الزمرد.
مشهد يثير في النفس أحلى المشاعر ... مشاعر العشق!
آخر مرة كنت فيها هناك كان معي صديقي، كان جالسا بقربي يتسلى بفصفصة البزر، و قضم الفستق، و يحدثني عن نيته في الذهاب إلى ... لا أدري عما كان يتكلم بالتحديد، إذ لم أكن أستمع حقا، كنت في عالم آخر.
كنت أراقب جمال دمشق و أتفرس في ملامحها، أليس هذا جسر الرئيس؟ و هذه الساحة المدورة المضيئة أليست ساحة الأمويين؟ و هذا الشارع الممتد منها هناك.. إنه اتوستراد المزة، و تلك هي كلية الطب ... عجبا ... لماذا يدق قلبي بهذه السرعة ؟!
هل ذكره جمال دمشق بجمال المحبوبة؟ أم أصابه ما أصابه عندما رأى مواطن العشق و مدارج الهوى في كلية الطب؟
قلت لصديقي: هل كلمتك يوما عن قصة حبي؟
قال و هو يبصق قشر البزر: أي حب ؟؟ أنت تحب! كفاك سخفا ..
قلت: اسمع إذن أحدثك عن حبي، فاليوم أبوح لك بسري، و أكلمك عن معشوقتي، كما كان يفعل الشعراء مع أخلائهم ...
"خليليّ ما أحلى الهوى و أمره ...... وأعملني بالحلو منه وبالمر"
آه يا صاحبي من العشق، آه من حلاوته و آه من مرارته، ماذا أقول لك، هل تعرف أني أذهب إلى الكلية لا لشيء إلا من أجلها، إن قرأت فمن أجلها، و إن كتبت فمن أجلها، و إن حفظت فمن أجلها، أدخل الامتحان و صورتها لا تفارق مخيلتي، أعد الأيام يوما بعد يوم، منتظرا اليوم الذي تزف فيه إلي، أحلم بها إذا نمت، و أحلم بها إذا استقيظت، أراها في أحلامي جميلة مضيئة، أرى نفسي يوم يسلمها أهلها إلي، و أحس أني أكاد أطير من الفرح! أسمع عبارات التهنئة من أصدقائي، أرى الابتسامة على وجوههم، أسمع زغاريد أمي و دعواتها لي، ثم أرى نفسي أحملها على يدي و أدخل بها إلى بيتي، أدخل بها إلى غرفتي و أقفل الباب، و أطبع على وجهها الناصع البياض قبلة، ثم ...
توقفت عن الكلام و نظرت إلى صديقي، فإذا هو جامد لا يتحرك، و على وجهه أمارات الدهشة و العجب، قد فغر فاه فسال اللعاب من فمه، و سرعان ما أحس بسكوتي، فمسح لعابه بيده و لعق شفتيه بلسانه ثم قال لي: ثم ماذا ؟؟
قلت: فعلا يا صاحبي .. ثم ماذا ؟!
إنه السؤال الذي يؤلمني التفكير فيه، لا أدري حقا، و لكن أكثر ما أخشاه أن تكون كغيرها، مجرد نزوة عابرة، لا يكون مصيرها بعد ذلك إلا كمصير سابقاتها، مرمية في المنزل كخرقة بالية، أو ربما أكن لها بعض الاحترام باعتبارها الجديدة، فأضع لها إطارا و أعلقها في صدر غرفتي، مع أنها في النهاية ليست إلا مجرد ورقة.
قال صديقي متعجبا: ورقة؟! ... أي ورقة؟ عن ماذا تتكلم؟!
قلت: عن وثيقة التخرج ... الشهادة الجامعية، عن ماذا كنت تظنني أحدثك إذا؟
رمى صديقي آخر ما تبقى في يده من حبات البزر و الفستق و قال لي: قبح الله وجهك، لكن أتدري، لست الملام، الملام هو من صغر عقله و سهر معك، و استمع إلى حديثك التافه،
هيا بنا إلى البيت.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق