أحيانا تجمعك الصدف بأناس ذوي عقول نيرة و أفكار عظيمة تستغرب معها كيف لا يزالون يعيشون هكذا دون أن يستغلوا ما لديهم من مواهب و قدرات.
صديقي الأستاذ سعيد مثال على هذا، أعرفه من حوالي أربع سنوات، أي منذ دخولي للجامعة تقريبا، و هو شاب نبيه عاقل، و مع أن عمره لا يتجاوز الخامسة و الثلاثين إلا أن لديه حكمة و ثقافة شيخ في الستين أو السبعين.
كنت دائما أستمتع بسماع أرائه و تحليلاته الملفتة لكل ما يجري حول العالم من أدب و علم و سياسة و اقتصاد، و هو بالمناسبة خريج جامعة دمشق كلية الاقتصاد.
منذ أيام كنت معه في سيارته و كان كعادته يستمع إلى المذياع، إلى محطة إذاعة دمشق. كان المذيع يتكلم و يتكلم و أنا شارد أفكر في أمور أخرى، إلى أن نبهني الأستاذ سعيد و قال لي: اسمع ... اسمع ...
كان المذيع يتكلم عن قانون التوظيف و الهيئة العامة لمكافحة البطالة.
((( ... هذا و يقدر عدد العاطلين عن العمل في سورية بـ 432 ألف عاطل عن العمل ، و يقدر القادمين إلى سوق العمل سنويا بين 150 و 300 ألف شخص ، و تحتاج سورية إلى نمو اقتصادي بمعدل 6 في المئة سنويا حتى تستطيع استيعاب هذا العدد...)))
قلت: معقول ؟! .. إنها أرقام ضخمة.
قال الأستاذ سعيد: هذه التقديرات الحكومية أما التقديرات الفعلية فهي أكثر من ذلك بكثير.
(((.... و يأتي مشروع مكافحة البطالة الذي يهدف إلى تأسيس فرص عمل دائمة ليساهم في حل هذه المشكلة ، إذ سيقدم للمواطنين العاطلين عن العمل أموالا على شكل هبات أو قروض ، و ستتيح هذه الأموال للمواطنين إقامة مشروعات للتشغيل الذاتي الصغير في إطار مؤسسات عمل صغيرة ...)))
أطفأ الأستاذ سعيد المذياع، و تابع القيادة دون أن ينبس ببنت شفة.
قلت: فعلا المشكلة كبيرة، الزيادة السكانية من جهة و طريقة التعليم من جهة، فالتعليم كما تعرف لا علاقة له بسوق العمل، وإنما قائم على الحفظ والتلقين فقط، وليس على البحث والابتكار.
قال: فعلا الجامعات بوضعها الحالي أصبحت مصنعاً لإنتاج البطالة و منتجاتها لا تجد لها طلباً إلا في سوق البطالة، وطالما بقيت البرامج التعليمية فيها على حالها، واستمرت الجامعات على تخريج نفس المخرجات فإن الأمور لن تتغير، وسيكون الإحباط مستقبل خريجي الجامعات ذوي التخصصات العلمية أو الأدبية الذين يبحثون عن فرصة عمل مناسبة.
أما الزيادة السكانية فلماذا تنظر إليها على أنها سبب المشكلة؟ لماذا لا تنظر إليها على أنها الحل؟ اسمع أحد حكماء الصين ماذا قال حين سألوه: كيف ستطعم مليار فم؟ قال: ولماذا لا تسألوني عن كيفية استفادتي من 2 مليار يد؟!.
قلت: و الله معك حق، أيدي عاملة لا تحتاج إلا إلى من يعطيها طرف الخيط لتبدأ هي في إقامة مشروعاتها الصغيرة.
قال: يا أخي كيف ستستطيع مشروعات فردية صغيرة الصمود أمام المشروعات الكبيرة و نحن في زمن التجمعات الصناعية الضخمة؟؟
المشكلة أكبر من أن تحل بورشة تطريز صغيرة أو معمل شحاطات نايلون! ربما تكون أحسن من لا شيء، و لكنها ليست الحل بالتأكيد.
برأيي يجب أن تعمل الدولة على إيجاد فرص عمل في إطار مشروعات استثمارية كبيرة، مشروعات كبيرة فعليا و ليست مجرد مأوى لموظفين عالة غير منتجين، يعني دون الانتقال من البطالة الظاهرة إلى البطالة المقنعة.
عاد الأستاذ سعيد لصمته، فعلمت أن الحديث قد انتهى، فسكت أنا بدوري و تابعت تأملي للطريق.
فجأة خفف الأستاذ سعيد السرعة، و نظر في المرآة، ثم قال: ساحة العباسيين حدا نازل؟؟
قلت: نعم على اليمين بعد إذنك.
نزلت ......... و نظرت إلى الميكروباص ( جوبر مزة استراد ) الذي يقوده الأستاذ سعيد يتكسب منه رزقه منذ سنين، فعلمت أنه نسي أن يحدثني عن نوع آخر من البطالة، البطالة التناقضية، البطالة التي تجد فيها الرجل المناسب في مكانه غير المناسب!.
صديقي الأستاذ سعيد مثال على هذا، أعرفه من حوالي أربع سنوات، أي منذ دخولي للجامعة تقريبا، و هو شاب نبيه عاقل، و مع أن عمره لا يتجاوز الخامسة و الثلاثين إلا أن لديه حكمة و ثقافة شيخ في الستين أو السبعين.
كنت دائما أستمتع بسماع أرائه و تحليلاته الملفتة لكل ما يجري حول العالم من أدب و علم و سياسة و اقتصاد، و هو بالمناسبة خريج جامعة دمشق كلية الاقتصاد.
منذ أيام كنت معه في سيارته و كان كعادته يستمع إلى المذياع، إلى محطة إذاعة دمشق. كان المذيع يتكلم و يتكلم و أنا شارد أفكر في أمور أخرى، إلى أن نبهني الأستاذ سعيد و قال لي: اسمع ... اسمع ...
كان المذيع يتكلم عن قانون التوظيف و الهيئة العامة لمكافحة البطالة.
((( ... هذا و يقدر عدد العاطلين عن العمل في سورية بـ 432 ألف عاطل عن العمل ، و يقدر القادمين إلى سوق العمل سنويا بين 150 و 300 ألف شخص ، و تحتاج سورية إلى نمو اقتصادي بمعدل 6 في المئة سنويا حتى تستطيع استيعاب هذا العدد...)))
قلت: معقول ؟! .. إنها أرقام ضخمة.
قال الأستاذ سعيد: هذه التقديرات الحكومية أما التقديرات الفعلية فهي أكثر من ذلك بكثير.
(((.... و يأتي مشروع مكافحة البطالة الذي يهدف إلى تأسيس فرص عمل دائمة ليساهم في حل هذه المشكلة ، إذ سيقدم للمواطنين العاطلين عن العمل أموالا على شكل هبات أو قروض ، و ستتيح هذه الأموال للمواطنين إقامة مشروعات للتشغيل الذاتي الصغير في إطار مؤسسات عمل صغيرة ...)))
أطفأ الأستاذ سعيد المذياع، و تابع القيادة دون أن ينبس ببنت شفة.
قلت: فعلا المشكلة كبيرة، الزيادة السكانية من جهة و طريقة التعليم من جهة، فالتعليم كما تعرف لا علاقة له بسوق العمل، وإنما قائم على الحفظ والتلقين فقط، وليس على البحث والابتكار.
قال: فعلا الجامعات بوضعها الحالي أصبحت مصنعاً لإنتاج البطالة و منتجاتها لا تجد لها طلباً إلا في سوق البطالة، وطالما بقيت البرامج التعليمية فيها على حالها، واستمرت الجامعات على تخريج نفس المخرجات فإن الأمور لن تتغير، وسيكون الإحباط مستقبل خريجي الجامعات ذوي التخصصات العلمية أو الأدبية الذين يبحثون عن فرصة عمل مناسبة.
أما الزيادة السكانية فلماذا تنظر إليها على أنها سبب المشكلة؟ لماذا لا تنظر إليها على أنها الحل؟ اسمع أحد حكماء الصين ماذا قال حين سألوه: كيف ستطعم مليار فم؟ قال: ولماذا لا تسألوني عن كيفية استفادتي من 2 مليار يد؟!.
قلت: و الله معك حق، أيدي عاملة لا تحتاج إلا إلى من يعطيها طرف الخيط لتبدأ هي في إقامة مشروعاتها الصغيرة.
قال: يا أخي كيف ستستطيع مشروعات فردية صغيرة الصمود أمام المشروعات الكبيرة و نحن في زمن التجمعات الصناعية الضخمة؟؟
المشكلة أكبر من أن تحل بورشة تطريز صغيرة أو معمل شحاطات نايلون! ربما تكون أحسن من لا شيء، و لكنها ليست الحل بالتأكيد.
برأيي يجب أن تعمل الدولة على إيجاد فرص عمل في إطار مشروعات استثمارية كبيرة، مشروعات كبيرة فعليا و ليست مجرد مأوى لموظفين عالة غير منتجين، يعني دون الانتقال من البطالة الظاهرة إلى البطالة المقنعة.
عاد الأستاذ سعيد لصمته، فعلمت أن الحديث قد انتهى، فسكت أنا بدوري و تابعت تأملي للطريق.
فجأة خفف الأستاذ سعيد السرعة، و نظر في المرآة، ثم قال: ساحة العباسيين حدا نازل؟؟
قلت: نعم على اليمين بعد إذنك.
نزلت ......... و نظرت إلى الميكروباص ( جوبر مزة استراد ) الذي يقوده الأستاذ سعيد يتكسب منه رزقه منذ سنين، فعلمت أنه نسي أن يحدثني عن نوع آخر من البطالة، البطالة التناقضية، البطالة التي تجد فيها الرجل المناسب في مكانه غير المناسب!.
أزال المؤلف هذا التعليق.
ردحذف