جزى الله كل من حكم و كل أفتى بخير مما هو أهله، و لكني قد حصل لي-أخوتي- ما أغناني عن أحكامكم، و كفاني الحاجة إلى فتواكم، ذلك إذ أني و بعد أن طال الحوار و الجدال و السجال بيني و بين أخي و سيدي أبي مالك حول الشاي، طلبت منه الاحتكام إلى حكم العدول و النزول عند رأي الثقات و أبناء الأصول، و سميت له أبا مروان فأبى، أصابني هم و غم و حزن، و ضاقت علي الأرض بما رحبت و زعزع إيماني بالهيل و النعنع و الليمون، فوسوست لي نفسي أن قم فاصطنع لنفسك إبريقا من الشاي المنكه، تقوي به إيمانك و تثبت به ما قد ضعضع من عقيدتك، فلجأت إلى موضع طعام أهلي فوضعت سخانة الماء على النار، و جلست على كرسي قريب أنتظر غليان الماء و دنو أجله،فأخذتني سهوة و حلت بي شبه كبوة، فرأيت فيما يراه النائم -خيرا اللهم اجعله خيرا- رأيت نفسي و قد اتخذت لنفسي مجلس لهو و سرور، و قعدت فيه متكئا أحتسي أقداح الشاي المنكه، فمرة بهيل و أخرى بليمون و ثالثة بنعنع، و بينما أنا أعد الرابعة بالقرفة، إذ بي أفاجأ بثلاثة نفر يقبلون علي و يدخلون مجلسي على عجل، فتمعنت وجوههم فإذا هم رجل بعمامة و ثوب أبيض هو ابن المقفع، و آخر ببذلة أميرية و طربوش هو أستاذنا الرافعي - عليهما رحمة من الله - و الثالث لم أتبين ملامحه جيدا، غير أني لأظنه من هيئة سلاحه ( ساطور جزاري الإبل ) الشيخ المجاهد زعيم الكتائب أبا راتب الدوماني زاده الله من لدنه قوة و نصرا، فما إن دخلوا علي حتى أمسكوا بي مسكة غليظة، و دفعوا بأقدامهم ما كنت أحتسي من الشاي المطيب، و شرعوا في تعنيفي و تأديبي فقالوا:"أيا صفيقا لسانه عجيبا أمره، أتعاف الشاي الأصيل، و تلتفت إلى مستغرب التنكيه و التتبيل، أما علمت أن رجاء الأمور لا يكون بزخرف القول و لكن بصحته حتى قلت ما قلت و فعلت ما فعلت، لا و ما تكتفي بهذا بل و تزعج أرواحنا في نعيم مستقرها بذكرك لنا في معرض شهادة الزور و قول المنكر، ثم ما شأنك أنت بكليلة و بدمنة و غيرهما من الدواب و ما أنت من علم أخبار الدواب في شيء، أو تزعم أيضا أن الله اختصك بنسخة من حكاياتهما عتيقة نادرة ؟! و ما يختص الله إلا الأنبياء و ما يميز إلا الرسل و ما أنت بهذا و لا أنت بذاك، أستكبرت في الأرض و علوت فيها ؟! أاستكبارا في الأرض ومكر السيئ و لا يحيق المكر السيئ إلا بأهله".
ثم إنهم عمدوا إلى سخانة من الشاي المغلي كانت قريبة و أرادوا أن يصبوها فوق رأسي فصرخت فيهم أن ... لااااااااااااااااه ... فأفقت لتوي! فوجدت لجسمي عرقا غزيرا أسبح فيه كأنما قد صب فوق رأسي ماء مغلي فتعوذت بالله من شر الشيطان و من شر نفسي و علمت أنما رأيت رؤيا حق، و أن هذا ما وعدني به أبو مالك قد جعله ربي حقا، فقمت من فوري إلى موضع الهيل و القرفة و النعنع و الليمون في المطبخ أريد إحراقها أو إتلافها فذكرت أنها نعمة من ربي ما يكون لي أن أفرط بها بل أن أضعها في موضعها فعدلت عن ذلك، ثم إني عمدت إلى كتابة هذا الكتاب إليكم و إلى مولانا و سيدنا أبي مالك أستميحه به عذرا و أرجوه به غفرا، فلم يعد لي من دنياي بعد اليوم أمنية إلا أن ألقى أبا مالك فأقول له: تالله لقد آثرك الله علينا و إن كنا لخاطئين. فيجيبني: لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم و هو أرحم الراحمين.
و بعد فإن هذه عاقبة من تسول له نفسه الوقوف في وجه أبي مالك، و العاقل من اعتبر بمصيبة غيره فاعتبروا يا أولي الأبصار.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق