الأربعاء، 13 مايو 2009

شاي (5)

قال أبو مالك:
أما بعد: فإنكم قد غركم منا طول حلمنا وطلاوة لساننا، وما دفعنا لذلك لعمري ضعف ولا وهن ولا جبن، وإنما هو الحلم الذي أسكنه الله في صدري وأقره في موضع الأخلاق مني، ولكن الأمر كما قال تلميذنا النابغة:
ولا خير في حلم إذا لم تكن له .......... بوادر تحمي صفوه أن يكدرا
فمن سل علي لسانه سللت عليه سيفي، ومن هز علي قلمه هززت له حسامي، ألا إن حسامي لباتر وإن نصله لقاطع وإنه لينوء بالدببة لكنني أحمله كما يحمل أحدكم فرشاة أسنانه أو نكاشة أذنه!
وإني يا هذا أعرض عليك إحدى ثلاث فإن أجبت وإلا كلية الطب علي حرام إن لم أصب فوق رأسك سخانة من الشاي المغلي: فإما أن تعترف بذنبك وتقر بخطأك على مسمع من الأشهاد العدول، أو أن تحلف بالله لا تقرب الشاي بالهيل ما حييت، أو تكتب مقالة في ذم الهيل والليمون.
أما ما ذكرته من خبيث أمانيك في أن أسقيكم شاياً فتالله لقد رمت لمس الشهب ومطاولة كواكب السماء، أما علمت أني لا أنفق الدرهم في طلب لذتي فكيف في طلب لذة سواي! وأني أحمّ شهراً إن ضاعت مني ليرة فأنى لك أن تسألني إهدار الليرات وإضاعة الأموال؟ إن للنفقة حموضة بين ضلوعي ورجفة بين معصمي وكوعي.
وخلاصة القول أن الشاي أعز وأكرم من أن يتكلم فيه كل من زينت له نفسه الخوض في فنونه، وقد ناظرت القدماء والمحدثين وأصحاب الملل والأهواء والمتكلمين فما وجدت أشد على النفس ولا أثقل على القلب من كلام الناس في الشاي، فهذه القهوة والكبتشينو فليتكلموا فيهما ما يشاؤون وليذروا الشاي لأرباب الشاي.
اعقل مني أنصحك وأفدك: إنما خلق الهيل للقهوة، والقرفة للكبسة، والليمون للشراب، والنعنع للبن المصفى، وإن وضع أي منها في الشاي تعدٍ على حقيقة الخلق وجوهر الأشياء، وهذه علة ما انتشر في أصقاع الأرض من أوبئة وأسقام، ولو قدر الناس لكل شيء قدره وأعطوه حقه ومستحقه لما رأيت ما ترى اليوم ولما سمعت ما تسمع عن بقاع تسلب فيها يد الموت ألوفاً من النفوس في اليوم والليلة، وتهصر فيها أذرع المرض أضلاع الولدان والمستضعفين. فتب إلى الله وأنب إليه واصدع ببراءتك من مقالك في الشاي عله يغفر لك ويتجاوز عن زلتك، فإن هذا الذنب وإن كان كبيراً أو مخرجاً عن نحلتنا على رأي بعض أشياخنا فالله يغفره إن تبت منه.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق